عثمان بن جني ( ابن جني )

38

الخصائص

القضية الشائكة قضية العلاقة بين الصوت والدلالة حيث يرى أنه لا توجد مقاطع أو حروف تتصف بطبيعتها بالحزن أو الفرح . ولكنه لا ينفى أن يكون لهذه الأصوات تأثير دلالى يوحى به السياق تبعا للانفعال المصاحب له . ومن ثم نستطيع أن نجد للدال الصوتي قيما مختلفة باختلاف سياقاتها مع اتحاد ذلك الدال . ولننظر على سبيل المثال إلى ذلك المقطع الصوتي ( أن ) الذي يتميز بسمة صوتية لها دلالة خاصة هي سمة النبر الشديد بالنون المشددة ذات الغنة التي تغن في القراءة القرآنية بمقدار حركتين في جميع السياقات لننظر إلى دلالة ذلك المقطع التي قد ترد في سياقات كثيرة متضافرة مع الدلالة المعجمية للكلمة ( أن ) في إفادة التوكيد وهذا ما نستشعره في النطق بها في مثل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ الحج : 6 ، 7 ] . حيث تتوالى الكلمة في هذا السياق بدلالة واحدة هي التوكيد المستفاد من دلالتها المعجمية ، ودلالتها السياقية ، ودلالتها الصوتية التي يوحى بها تكرار النون فيها ، فالتكرار من وسائل التوكيد . كما توحى بها تلك الغنّة التي تغنّ بمقدار حركتين يحدث من خلال النطق بهما نوع من الضغط والارتكاز الذي يشبه الإصرار على تأكيد المعنى وتثبيته لدى السامع . وهذا كله يتضافر مع الدلالة السياقية للكلمة في هذا المقام الذي تؤكد فيه قدرة اللّه تعالى على الإحياء والبعث . فإذا انتقلنا من هذا السياق إلى سياق آخر مثل قوله تعالى على لسان لوط : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [ هود : 80 ] وذلك حينما بلغ به الضيق مداه من شذوذ قومه ورغبتهم الجامحة في فعل المعصية ، ومراودتهم له عن أضيافه ذوى الوجوه الحسان ، ومن ثم لم يتمالك لوط ، ولم يلبث أن ألم به الحنق والغيظ ، بحيث توحى الدلالة الصوتية لكلمة ( أن ) في هذه الآية بصورة لوط - عليه السلام - وهو جاذّ على أسنانه ، يطيل الضغط والارتكاز في النطق بغنة النون المشددة معبرا عن انفعاله الشديد بالغيظ والحنق من طبيعة هؤلاء القوم الدنيئة ؛ كما تأتى تلك الدلالة مختلطة بدلالة الأسى والحزن والتحسر على عدم تمكنه من الانتصار منهم أو ردهم عن طيشهم وضلالهم . وهنا تتدخل دلالة السياق لترجيح هذا المعنى الصوتي الذي نستشفه من الآية ، كما